متى عيد الأم في العالم العربي؟ دليلك للتاريخ والاحتفال
في نسيج الحياة العربية، تُشكِّل الأم الخيط الذهبي الذي يربط الماضي بالحاضر، والخيط الناعم الذي يحمل في ثناياه روائح الطفولة ودفء البيت وأمان الأسرة. ليست الأم مجرد والدة، بل رمزًا للتضحية والعطاء اللامتناهي، والحب غير المشروط. وفي قلب هذا التقدير، يأتي "عيد الأم" مناسبة سنوية تُكرِّم فيه الأسر العربية الأمهات، وترد جزءًا بسيطًا من جميلهن. هذه المناسبة، التي قد تبدو حديثة نسبيًا في سياقها الرسمي، تعبر عن قيم متأصلة في الضمير الجمعي العربي، قيم البر والوفاء والإحسان إلى الوالدين.
الفصل الأول: التاريخ.. رحلة الفكرة من الشرق إلى العالم العربي
مع أن فكرة تكريم الأمهات لها جذور ضاربة في القدم، تعود إلى الحضارات اليونانية والرومانية، إلا أن الصيغة الحديثة لعيد الأم كما نعرفه اليوم ارتبطت باسم الكاتب الصحفي المصري الراحل "علي أمين".
النشأة في مصر:
في أربعينيات القرن الماضي، تلقَّى علي أمين، أحد مؤسسي جريدة "أخبار اليوم" مع شقيقه مصطفى أمين، رسالة من أم تشكو فيها أولادها الذين هجروها بعد أن كبروا ولم يعودوا يزورونها. تأثَّر علي أمين بهذه القصة، وفي 9 ديسمبر 1955، طرح في عموده اليومي "فكرة" مبادرة تدعو إلى تخصيص يوم للاحتفال بالأم، يكون بمنزلة تذكرة سنوية للأبناء ببر أمهاتهم حيث قال: "لماذا لا نتفق على يوم من أيام السنة نطلق عليه يوم الأم، ونجعله عيدًا قوميًا في بلادنا وبلاد الشرق"؟
لم تكن الفكرة وليدة الصدفة، بل كانت تعبيرًا عن وعي مجتمعي بأهمية دور الأم. واجهت الفكرة في البداية بعض الانتقادات من المحافظين الذين رأوا فيها تقليدًا أعمى للغرب، لكن علي أمين دافع عنها بحجة أنها "فكرة مصرية خالصة"، مستشهدًا بأن المصريين القدماء كانوا يكرِّمون الأمهات. وقد لاقت الفكرة ترحيبًا شعبيًا واسعًا.
تاريخ عيد الأُم وأصله
المنشأ العربي | بدأ الاحتفال في مصر عام 1956 بمبادرة من الصحفيين علي ومصطفى أمين. |
التاريخ الرسمي | 21 مارس 1956 لأنه أول أيام الربيع رمز التجدد والحياة. |
الاعتماد الإقليمي | انتشر لاحقًا في الأردن، والعراق، والكويت، ولبنان، وسوريا، والسعودية، والإمارات وغيرها. |
الأصل الغربي | بدأ في الولايات المتحدة عام 1914 على يد آنا جارفس. |
الجذور | كرَّم المصريون القدماء الإلهة إيزيس بوصفها رمز الأمومة والخصب. |
أصول عيد الأم في الدول العربية
بعد نجاح الفكرة في مصر، لم تلبث أن انتقلت إلى باقي الأقطار العربية، حيث تبنتها وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية. وأصبح الاحتفال بعيد الأم تقليدًا سنويًا في معظم الدول العربية، وإن اختلفت التواريخ قليلاً. ففي حين تحتفل الغالبية العظمى من الدول العربية (مثل مصر والسعودية والإمارات وسوريا والأردن وفلسطين والكويت) في 21 مارس، الذي يصادف أول أيام فصل الربيع، باعتباره رمزًا للجمال والتجدد والعطاء، تحتفل بعض الدول مثل لبنان في أول يوم أحد من شهر مارس، وتحتفل اليمن في نفس اليوم الذي تحتفل فيه مصر.
اختيار تاريخ 21 مارس له دلالة بالغة، فهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار، رمزًا لتساوي مشاعر الحب والوفاء بين الأم وأبنائها، وهو بداية الربيع حيث تزهو الطبيعة وتتفتح الأزهار، تمامًا كما تزهو قلوب الأمهات بتكريم أبنائهن.
في العالم الغربي، أطلقت الأمريكية آنا غارفيس الفكرة عام 1915. ويُحتفل بعيد الأم في تواريخ مختلفة، أشهرها الأحد الثاني من شهر مايو في العديد من الدول مثل الولايات المتحدة.
أما عن أصل الفكرة، تعود جذور الاحتفاء بالأم إلى الحضارات القديمة، حيث كان لدى المصريين القدماء طقوس مماثلة. فقد عبدوا الآلهة الأنثى مثل "إيزيس" التي مثلت رمزًا للأم المثالية والحامية، التي كانت تُصوَّر غالبًا وهي ترضع ابنها "حورس". ويُعدُّ هذا التبجيل للقيمة الأمومية المقدسة في المعتقد المصري القديم أحد أقدم أشكال الاحتفال بمكانة الأم في التاريخ، ووصولاً إلى الأغنية التي لازمت هذا الاحتفال، ألا وهي أغنية ست الحبايب ، في العصر الحديث.
متى عيد الأم في العالم العربي؟
مع أن الغالبية العظمى من الدول العربية تُحيي عيد الأم في الحادي والعشرين من مارس، تزامنًا مع بداية فصل الربيع، إلا أن هناك بعض الاستثناءات البارزة. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، تحتفل بالمناسبة في الحادي والعشرين من مارس أيضًا. وتحتفل تونس وأحيانًا الجزائر والمغرب به في آخر أحد من شهر مايو بسبب تأثرهم بالتقاليد الفرنسية.
هذا الاختلاف البسيط في بعض الدول يعود إلى أسباب ثقافية أو قرارات رسمية، لكن جوهر المناسبة يبقى واحدًا عبر العالم العربي. فبغض النظر عن التاريخ المحدد، يظل عيد الأم مناسبة اجتماعية وثقافية موحدة، يجتمع فيها الجميع على تقدير الأم وتكريم تضحياتها غير المحدودة، ما يؤكد قيم التقدير والوفاء المتأصلة في المجتمعات
في بعض الأعوام، يتقاطع يوم الأم العالمي مع نفحات شهر رمضان المبارك، فيغدو اللقاء أكثر دفئًا وصفاءً، تمتزج فيه روحانيات الشهر الفضيل بمشاعر الحب، وترتفع فيه دعوات الأمهات امتنانًا.
تتزين البيوت العربية في هذه الليالي بضحكات الأمهات وموائدهن الجميلة، وتتداخل بركة الشهر مع فرحة العطاء، لتصنع لحظات دافئة لا تُنسى.
ومع أن عيد الأم لا يُعد إجازةً رسميةً في الدول العربية، فإن الاحتفال به يملأ الأرجاء؛ فتتحدث المدارس عن الأم، وتمتلئ المتاجر بالعروض والخصومات على الهدايا، وتُحيي العائلات المناسبة في الأماكن العامة والمطاعم في أجواء مفعمة بالدفء.
طقوس وتقاليد عربية ليوم أُم استثنائي
. يوم يبتعد عن البهرجة، لتجتمع به العائلة بعيدًا عن الأضواء. يتسابق فيه الأبناء للتعبير عن حبهم للأم بطرق صادقة نابعة من القلب. قد تكون بكلمة دافئة أو لفتة بسيطة، أو وقت يقضونه الى جوارها، يجعل قلبها يضيء كما تفعل شمس الربيع في البيوت.
تتنوع الطقوس للاحتفال بعيد الأم، لكن جميعها يشترك بمشاعر الامتنان ذاتها.
اللقاءات العائلية:
يُمثِّل المشهد الأجمل، فتجتمع العائلة حول طعام الغذاء أو العشاء تكريمًا لها، بينما يختار آخرون صباحًا أكثر حميمية يُقدم به الفطور على السرير، مع زهور جميلة وبطاقة مُعايدة تحمل ألف معنى. وهناك من يصحب أمَّه إلى مطعمها المفضَّل أو إلى مكان له ذكرى في قلبها، فيما تمتلئ الأماكن العامة مثل القرية العالمية في دبي بالعائلات التي تقضي يومًا مميزًا مليء بالحب.
أما عن الهدايا، فمع كونها بسيطة الا أنها تعبر عن فيض من المشاعر العميقة التي لا تُشترى. يُقدَّم الأطفال عبارات مكتوبة بخط طفولي، أو وردة يهديها لأمه بخجل، أو قطعة شكولاتة من النوع المفضل لها. ومع كثرة العروض التي تملأ المراكز التجارية مثل دبي مول، تتفاوت الهدايا من الكبار بين الأجهزة الإلكترونية والمجوهرات اللامعة. وتبقى كلمة أو نظرة دافئة للأم أعظم من أي هدية.
تحتفي المدارس والمؤسسات المجتمعية بروح من الفرح. يصنع الأطفال بطاقات وأعمالاً فنية تُهدى لأُمهاتِهم. يُغنون بحماس في الإذاعة المدرسية. تُنظم فعاليات صغيرة لتكريم الأمهات وتعبر عن تقدير المجتمع لجهودهن. فمنذ نشأته الأولى في مصر، ظل عيد الأم تقليدًا سنويًا يملأ القلوب دفئًا ويُجدد معنى العطاء والإمتنان.
ولا يمكن أن يمر هذا اليوم دون أن يُغرد صوت فايزة أحمد:
ست الحبايب يا حبيبة … يا أغلى من روحي ودمي …
تتردد الأغنية في الإذاعات والمدارس والبيوت، وتنغمر الأجواء بموجة من الحنين. وتمتلئ وسائل التواصل بصور الأمهات ورسائل الحب وأغاني الأم، وبذكريات مؤثرة لمن رحل منهن.
أما عن المتاجر والمطاعم، فتشارك بطريقتها بتقيدم العروض والخصومات الخاصة، وتعرض المتاجر باقات مميزة من الزهور، وهدايا رمزية، بينما تُقدَّم بعض الأماكن جلسات استرخاء أو وجبات مجانية لتدليل الأمهات في هذا اليوم.
وهكذا، يجمع عيد الأم بين دفء البيوت العربية وبساطة الفرح؛ يومٌ يعيد التذكير بأسمى علاقة إنسانية، ويجعل كل أم تشعر بأنها قلب الحياة في عائلتها.
أفكار مبتكرة لهدايا تناسب عيد الأم
لا تعتبر الهدايا في هذا اليوم مجرد شيء يُقدم، بل رسائل صغيرة تهمس بما يعجز اللسان عن قوله. فالأمهات العربيات لا ينتظرن الهدايا الثمينة والبذخ، فلا ينظرن إلى قيمة الهدية بقدر ما يُقدرن النية خلفها. مجرد تذكر وتخصيص وقت لها كفيل ليملأ قلبها فرحًا. ومع ذلك، تبقى الهدية الجميلة ظلًّا من ظلال المحبة، تضيف إلى اليوم لمعةً من السعادة.
إليك مجموعة من الأفكار لِتُميز بها الأُم في يومها:
باقات الزهور: الخيار الأول الكلاسيكي الملئ بالحب والرُقي، خيار لا يفقد بريقه ولا يبهت مع مرور الزمن. وردة واحدة كفيلة أن تأسر قلب الام بالمشاعر، فماذا إن كانت من نوعها المفضل؟ تتفنن المتاجر في عرض التصاميم المميزة والمختلفة، من صناديق فاخرة، وباقات طويلة الأمد يمكن توصيلها الى البيت مباشرة.
الشوكولاتة والحلويات: اختيار موفق من الشوكولاته الفاخرة أو أحد الحلويات الشرقية مثل الكنافة والبقلاوة، كفيل بجعل الأم سعيدة خاصةً اذا أُرفقت برسالة قصيرة مكتوبة من القلب.
العطور: تمتلك العطور مكانة خاصة في الثقافة العربية، زجاجة تحمل عبقها المفضل كأنها تستعيد سنوات عديدة من الحنان.
المجوهرات: تتنوع الاختيارات في عالم المجوهرات، فمن قلادة ذهب قيمة مكتوب عليها "أُمي" الى خاتم بسيط وأنيق، هدايا لا تخطئ طريقها لقلب الأم.
هدايا مخصصة: هدايا تحاكي ذكريات خاصة تبقى الأجمل، مثل إطار لصورة عائلية، أو كوب يومي يحمل عبارة امتنان، أو عمل فني من صنع يديك يعبر عن مدى تقديرك وحبك لها.
أزياء واكسسوارات: وشاح حريري، حقيبة يد، أو ساعة أنيقة يمكن أن تكون مفاجأة رائعة، خصوصًا للأمهات اللواتي لا يُدللن أنفسهن كثيرًا.
الاستجمام والعناية: لحظات من الهدوء تستحقها كل أم لتفصل بها عن مشقات الحياة اليومية، قد تكون جلسة سبا، أو تدليك، أو حتى طقم عناية منزلي بالشموع والعطور فكرة مثالية.
أما عن الهدايا العملية فتوجد الأجهزة أو الأدوات المنزلية: عادةً ما تهوى الام أجهزة المطبخ، فاختيار جهاز يسهل عليها عملها قد يكون خيارًا رائعًا. وإن كانت تهوى التكنولوجيا فَهاتف محمول جديد يعد الخيار الأمثل.
أما إن كانت من محبي القراءة فإهدائها كتاب أو رواية لكاتبها المفضل، أو هدية متعلقة بإحدى هواياتها مثل نبتة منزلية تظهر اهتمامك بها.
ربما تكون الهدية الحقيقية باصطحابها في نزهة، أو عشاء بسيط يجمع العائلة كلها حول مائدة تتزين بضحكاتكم.
وفي النهاية، تبقى الإيماءات البسيطة أجمل من كل الهدايا؛ فطور على السرير، أو يومٌ خالٍ من المتاعب، أو ورقة صغيرة كتبت عليها "أحبك يا أمي" بخط يمتلئ بالحب. مثل هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يجعل قلبها يرقص فرحًا كما لو أنه عاد شابًا من جديد.
في كل بيت أم، وفي كل أم وطن يحتضنك بكل حالاتك، والهدايا في عيدها ليست إلا محاولة متواضعة منا لرد جميل لا يُرد.
عبارات من القلب لعيد الأم
لا تقتصر الكلمات المكتوبة للأم على الحروف، بل هي رسائل دافئة تُكتب بحبر من المشاعر، على بطاقات صغيرة تُضيء قلب الأم عند قرائتها. فالأم لا تحتاج هدية كبيرة لتكون سعيدة. بطاقة بسيطة، أو جملة قصيرة مكتوبة بخط طفلها، قادرة على أن تملأ قلبها فرحًا.
في هذا اليوم، يحرص الأبناء على أن يرفقوا بهديتهم كلمات صادقة تعبر عن حبهم وامتنانهم، أو ينشروا منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي يُهديها كلماته أمام العالم أجمع. سواء كانت الرسالة طويلة أو مقتضبة، فإن صدقها وحده يكفي ليصل إلى قلب الأم مباشرة، دون الحاجة للتكلف.
من أشهر العبارات المُتداولة في العالم العربي:
- كُل عام وأنت بخير يا أمي ، وهي تمنِ بالعافية وطول العمر.
- ربنا يخليكي لينا، دعاء وتمني من الله أن يحفظ الأم ويديم وجودها بين أبنائها.
وغالبًا ما يضيف الأبناء لمسة شخصية ببعض الكلام المؤثر، مثل ذكر موقف أو ذكريات خاصة، مع انتشار مواقع التواصل أصبح الاحتفال بعيد الأم يأخذ أشكالاً جديدة. ففي عصر الصورة والمشاركة، ينشر الأبناء صورهم مع أمهاتهم في أماكن مميزة، مثل صورة أمام برج خليفة، أو على شاطئ خلال رحلة مميزة، أو في حديقة لجمعة عائلية، ترافقها كلمات عميقة ومؤثرة. وقد تجد البعض يرسل تهنئة لجميع الأمهات التي يعرفونها.
سواء كانت الرسالة مكتوبة بخط اليد في بطاقة، أو كلمات قصيرة على الهاتف، أو منشورًا على إنستغرام أو فيس بوك، المهم أن تخرج من القلب بصدق. ولا بأس بالاستعانة بعبارات من الأغاني العربية المحبوبة مثل كلمات أغنية "ست الحبايب"، لكن إضافة جملة شخصية بسيطة، كأن تقول "شكرًا لأنكِ كنتِ دائمًا سندي" كفيلة بأن تترك أثرًا لا ينسى.
في النهاية، تبقى الكلمة الصادقة أعذب هدية يمكن أن تُقدَّم للأم في يومها. فعبارة واحدة مغموسة بالحب تُغني عن ألف هدية وتعبر عن كل ما يعجز القلب عن قوله.
احتفاء الوطن العربي بالأم: مبادرات وتقاليد وطنية تجسد قيم البر والعطاء
لا يقتصر عيد الأم في العالم العربي على مناسبة عائلية خاصة، بل يتجاوز ذلك ليصبح حدثًا اجتماعيًا وطنيًا مميزًا، يحتفل بدور الأم في بناء المجتمع. في ها اليوم تلتقي المشاعر الخاصة بالمبادرات العامة، ليُعبر الأفراد والمؤسسات على حد سواء لتقدير أسمى الأدوار في الحياة: الأمومة.
يأخذ الاحتفال بعيد الأم في الإمارات طابعًا رسميًا ومجتمعيًا، فالى جانب الاحتفالات العائلية الدافئة، تُنظم المؤسسات مثل الاتحاد النسائي العام والمجلس الأعلى للأمومة والطفولة فعاليات تحت رعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، المعروفة بلقب "أم الإمارات". وقد شكلت مبادراتها المستمرة ركيزة في تمكين النساء ودعم الأمهات والأطفال. وغالبًا ما تصدر بيانات رسمية وفعاليات سنوية لتكريم الأمهات الإماراتيات وتسليط الضوء على إسهاماتهن في مسيرة التنمية.
ومن المبادرات الوطنية التي تحمل أبعادًا انسانية جميلة، حملة "وقف الأيام" التي أطلقها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عام 2024، إذ أنشأ صندوقًا خيريًا يُتيح للناس التبرع باسم أمهاتهم لدعم مشاريع التعليم والرعاية المجتمعية لتغدو الهدية للأم عملًا خيرًا مستمرًّا يفيض أثره بين الناس.
وفي مصر يُحتفل بعيد الأم بروح انسانية عميقة، بتقليد سنوي لاختيار "الأم المثالية" منذ عام 1956. وهي عادة تسلط الضوء على قصص أمهات قدمن تضحيات استثنائية في تربية أبنائهم. وتُغطى هذه الاحتفالات إعلاميًا على نطاق واسع، فتتحوّل قصص الأمهات إلى نماذج مُلهمة تُظهر صلابة المرأة المصرية ودفء قلبها في آنٍ واحد.
ومع أن عيد الأم ليس مناسبة دينية، إلا أنه يتناغم بعمق مع القيم الإسلامية التي تُعلي من شأن برّ الوالدين، وتخص الأم بمكانة سامية. فقد جاء في الحديث الشريف: الجنة تحت أقدام الأمهات.
ومع الجدل الذي دار في البدايات حول شرعية الاحتفال به، فقد احتضنته المجتمعات العربية لاحقًا بوصفه يومًا لتجديد العهد بالحبّ والبرّ، لا منافسًا للقيم الدينية، بل امتدادًا طبيعيًا لها. فهو ينسجم مع الثقافة الإسلامية والعادات العربية التي ترى في برّ الوالدين عبادةً لا تُحصر في يومٍ واحد، بل تتجدّد كل يوم.
وفي العديد من الدول، تُقام فعاليات عامة تُبرز روح هذا اليوم، فتنظم الجمعيات الخيرية حملات لدعم الأمهات المحتاجات أو الأرامل. وتطلق المؤسسات الحكومية رسائل شكر وتقدير للأمهات، خاصة أمهات الشهداء اللواتي قدمن أسمى صور التضحية.
وفي الإمارات، يخصص الجيش والشرطة مراسم لتكريم أمهات الأبطال الذين ضحوا بأنفسهم من أجل الوطن.
لقد أصبح عيد الأم في الوطن العربي أكثر من مجرد احتفال رمزي، بل مناسبة وطنية تعبر عن الامتنان الجماعي. وتُجسد قيم العطاء والتكافل. من القادة إلى المواطنين، ومن المدارس إلى المؤسسات، تتوحد الأصوات في رسالة واحدة:
"شكرًا لكل أمٍّ صنعت الحياة بحبّها وصبرها."
هكذا أصبح عيد الأم مرآة لقيم المجتمع العربي التي تُمجِّد البرّ والرحمة والعطاء، ويذكّرنا بأن الأمهات هنّ النبض الدائم للحياة، من البيت إلى بناء الوطن.
عيد الأم حول العالم
يُحتفل بعيد الأم في أزمنة وبأساليب مختلفة حول العالم، تعكس خصوصية كل ثقافة، لكن تبقى روح المناسبة واحدة، تكريم الأم وإظهار مكانتها في قلوب أبنائها.
ففي العالم العربي، يصادف عيد الأم 21 مارس، بداية الربيع رمزًا للتجدد والحياة. أما في معظم دول العالم، فيُحتفل به في الأحد الثاني من شهر مايو، وهو التاريخ الذي أقرّته الولايات المتحدة رسميًا عام 1914 بفضل جهود آنا جارفس، التي سعت لجعل تكريم الأمهات تقليدًا سنويًا. ومنذ ذلك الحين، تبنّت دول عديدة هذا التاريخ مثل كندا، وأستراليا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والهند، واليابان، والفلبين.
ومع اختلاف التوقيت، إلا أن الطقوس متشابهة: الهدايا، والبطاقات، والزهور، والوقت العائلي الدافئ الذي يجمع الأمهات بأبنائهن.
في المملكة المتحدة وأيرلندا، يُحتفل بما يُعرف بأحد الأمومة Mothering Sunday في الأحد الرابع من الصوم الكبير، وهو تقليد ديني قديم تحوّل مع الزمن إلى مناسبة للاحتفاء بالأمهات.
أما في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، مثل روسيا وصربيا وبلغاريا، يُحتفل بيوم الأم في 8 مارس، بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة، ليجمع بين رمزية الأمومة ومكانة المرأة.
وفي تايلاند، يُحتفل به في 12 أغسطس، تزامنًا مع عيد الملكة الأم، بينما تحتفل الأرجنتين به في الأحد الثالث من أكتوبر، في مشهد يُظهر تنوُّع الثقافات ووحدة المشاعر.
ويبقى العالم العربي مميزًا باختياره لتاريخ 21 مارس، الذي يجسد المعنى والمغزى معًا. فمذ أعلن الصحفي مصطفى أمين وبدعم من الرئيس جمال عبد الناصر أول عيد للأم في مصر عام 1956، ارتبط هذا اليوم ببداية الربيع رمزًا للحياة والعطاء، ليصبح تقليدًا عربيًا نابضًا بالحبّ والامتنان.
وعلى تباين التواريخ، لا يتغير الجوهر؛ فالأم، في كل مكان، هي القلب الذي يوحد العائلة، والاحتفال بها لغة إنسانية يفهمها البشر جميعًا.
قد تُقدَّم الزهور في القاهرة في مارس، وفي نيويورك في مايو، لكن المشاعر واحدة، حبٌ صادق لا يخضع للتقويم.
في النهاية، يظلُّ عيد الأم تذكيرًا سنويًا بالرابط الإنساني النقي بين الأم وأبنائها، وفي العالم العربي نحن محظوظون أن نحتفل به في ربيع الحياة، حيث يحمل 21 مارس بين طيّاته كل المعاني التي تستحقها الأمهات: البدايات، والنور، والعطاء.
أسئلة شائعة
متى عيد الأم؟
يُحتفل بعيد الأم في العالم العربي في مطلع اليوم الأول من فصل الربيع 21 مارس. أما في العالم، فالأكثر انتشارًا هو الأحد الثاني من شهر مايو كما في أمريكا وكندا.
ما أصل عيد الأم في العالم العربي؟
تعود فكرة عيد الأم الى الصحفي المصري الراحل علي/مصطفى أمين، الذي دعا لِتخصيص يوم لتكريم الأمهات. وتبنى الرئيس جمال عبد الناصر الفكرة رسميًا في 21 مارس عام 1956.
كيف يُحتفل بعيد الأم في الدول العربية؟
يأخذ الاحتفال به في العالم العربي طابعًا بسيطًا ودافئًا، في أجواء تجمع بين العائلة والمشاعر الصادقة. وتُقدم الزهور والبطاقات التي تحمل عبارات محبة، وتُقام اللقاءات العائلية والإحتفالات الصغيرة في المدارس والمؤسسات لتكريم الأمهات تقديرًا لعطائهن في تربية الأجيال وبناء المجتمعات.
هل عيد الأم عطلة رسمية في العالم العربي؟
لا يعتبر عيد الأم عطلة رسمية في معظم الدول العربية، لكنه يعد يوم يُزان بالفرح والسرور، حيث تعم أجواء الاحتفال المنازل والمطاعم والمحال التجارية.