الرقية الشرعية: تعريفها وأحكامها وطريقتها الصحيحة من الكتاب والسنة
تُعدّ الرقية الشرعية من أعظم الوسائل التي شرعها الإسلام لطلب الشفاء والحماية من الشرور، إذ تجمع بين التعبد لله تعالى بتلاوة كلامه، والتداوي بما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية والتعوذات. فهي ليست طقسًا شعبيًا أو ممارسة موروثة، بل عبادة قائمة على أصل ثابت في القرآن الكريم والسنة النبوية، اجتمعت فيها شروط دقيقة ضبطها العلماء حتى تبقى خالصة من كل ما يخالف التوحيد. وقد أكثر الناس البحث عنها في صيغها المكتوبة والمسموعة على حد سواء، رغبةً في تحصين أنفسهم وأطفالهم وبيوتهم من العين والحسد والسحر.
في هذا المقال، نستعرض بالتفصيل معنى الرقية الشرعية وحكمها، وأدلة مشروعيتها من الكتاب والسنة، وأبرز الآيات والأدعية المستخدمة فيها، وأنواعها المختلفة، وطريقتها الصحيحة، إلى جانب أحكامها الخاصة بالأطفال والمنزل، وأهم التحذيرات التي ينبغي مراعاتها لتجنب الوقوع في شرك من يستغلون حاجة الناس من المشعوذين والدجالين.
ما هي الرقية الشرعية؟
الرقية في اللغة مأخوذة من الرَّقْي، وهي العوذة التي يُرقى بها صاحب الآفة كالحُمَّى والصرع وغيرهما من الأدواء. أما في الاصطلاح الشرعي، فالرقية الشرعية هي الاستشفاء والتحصن بآيات من القرآن الكريم أو بأسماء الله الحسنى وصفاته، أو بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية المأثورة، طلبًا للشفاء من مرض أو دفعًا لأذى واقع أو متوقع، سواء كان ذلك من العين أو السحر أو المس أو غيرها من الأسباب الحسية والمعنوية.
شروط الرقية الشرعية الثلاثة
ذكر أهل العلم أن الرقية لا تكون شرعية مقبولة إلا إذا اجتمعت فيها ثلاثة شروط. الشرط الأول أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، أو بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية المأثورة. والشرط الثاني، وقد نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، أن تكون باللسان العربي أو بما يُعرف معناه، إذ لا يجوز الرقي بألفاظ مجهولة المعنى ولو كانت عربية، فضلًا عن الدعاء بها. أما الشرط الثالث فهو اعتقاد الراقي والمرقيّ أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وإنما بتقدير الله تعالى وحده، فهي سبب من الأسباب لا فاعل مستقل بنفسه. فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة في الرقية، فهي الرقية الشرعية الجائزة التي لا حرج فيها.
حكم الرقية الشرعية في الإسلام
اتفق أهل العلم على جواز الرقية الشرعية، بل استحبابها، ما دامت مستوفية لشروطها المذكورة، وخلت من كل ما يتنافى مع التوحيد.
أدلة مشروعية الرقية من القرآن والسنة
وردت أدلة كثيرة تثبت مشروعية الرقية الشرعية، من أبرزها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بأس بالرُّقى ما لم تكن شركًا"، وهو حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه. كما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كانت تقرأ عليه وتمسح بيده رجاء بركتها، وهذا الحديث متفق على صحته. وثبت أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة رضي الله عنها، أو أمر بأن يُسترقى من العين، لما ورد عنه من قوله: "العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"، رواه مسلم. وتدل هذه الأحاديث مجتمعة على أن الرقية سنة ثابتة عملًا وقولًا وتقريرًا، لا مجرد رخصة أو عادة اجتماعية توارثها الناس.
الفرق بين الرقية الشرعية والرقية الممنوعة
تنقسم الرقية إلى قسمين: رقية شرعية جائزة، ورقية ممنوعة محرمة. فالرقية الممنوعة هي كل ما تضمن الاستعانة بغير الله، كدعاء الجن أو الاستعانة بالكهان والعرافين، أو ما تضمن ألفاظًا مجهولة المعنى أو طلاسم لا يُعرف مضمونها، أو ما اعتقد صاحبه أنه مؤثر بذاته بمعزل عن قدرة الله وتقديره. وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحدود الفاصلة بقوله المتقدم: "لا بأس بالرُّقى ما لم تكن شركًا"، فجعل الشرك هو الحد الفاصل بين ما يجوز من الرقى وما يحرم منها، بصرف النظر عن كثرة انتشاره بين الناس.
وفي سياق الأدعية المتداولة خارج نصوص الرقية المأثورة، يُذكر دعاء ناد عليًّا في بعض التقاليد الشيعية بوصفه دعاءً للتوسل وطلب تفريج الكرب، لكنه لا يُعد من الأدعية النبوية الثابتة التي تقوم عليها الرقية الشرعية كما عُرّفت في هذا المقال.
آيات الرقية الشرعية من القرآن الكريم
تمثل تلاوة القرآن الكريم ركيزة أساسية في حياة المسلم ومصدراً للسكينة والهداية. يُظهر هذا المشهد الروحاني شخصاً يتلو آيات من "سورة المطففين" بخشوع وتدبر، مما يعكس الارتباط العميق بكتاب الله والحرص على الورد اليومي.
يشكل القرآن الكريم المصدر الأول والأعظم للرقية الشرعية، وقد وردت فيه آيات كثيرة يُستشفى بها ويُتحصن بها من الشرور.
سورة الفاتحة
تُعدّ سورة الفاتحة من أنفع ما يُقرأ على المريض، لما تضمنته من إخلاص العبودية لله عز وجل، والثناء عليه، وتفويض الأمر كله إليه، والاستعانة به والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النعم. وقد ثبت في صحيح البخاري ما يُعرف برقية اللديغ، حين رقى أحد الصحابة رجلًا لُدغ بسورة الفاتحة فبرئ بإذن الله، فأقرّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وسمّاها رقية.
آية الكرسي والمعوذتان وسورة الإخلاص
من أعظم ما يُقرأ في الرقية الشرعية آية الكرسي، وهي الآية 255 من سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى آخرها، وتُقرر هذه الآية وحدانية الله وعلمه وقدرته. كما تُقرأ سورة الإخلاص، وسورتا المعوذتين، أي الفلق والناس، وكل سورة منها ثلاث مرات، لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما على نفسه عند اشتداد المرض، ولما جاء في سنن أبي داود أنهن يكفين من كل شيء.
آيات أخرى من سور البقرة وآل عمران ويونس والإسراء
إلى جانب ما تقدم، تتضمن الرقية الشرعية آيات أخرى وردت في مواضع متفرقة من القرآن الكريم، من أبرزها الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة، وآيات طرد السحرة الواردة في قصة هاروت وماروت من السورة نفسها، وقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، وقوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، وقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وتُقرأ هذه الآيات مجتمعة أو منفردة بحسب حاجة الراقي وما تيسر له حفظه واستحضاره.
الرقية الشرعية من السنة النبوية
الطبعة العاشرة من كتاب "الرقية الشرعية من الكتاب والسنة النبوية" من تأليف الدكتور محمد بن يوسف الجوراني، ومراجعة وتقديم الأستاذ الدكتور عمر سليمان الأشقر (رحمه الله).
إلى جانب الآيات القرآنية، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد من الأدعية المأثورة المخصصة للرقية والتحصين والشفاء.
أدعية النبي صلى الله عليه وسلم للرقية والشفاء
من أشهر هذه الأدعية قوله صلى الله عليه وسلم عند رقية المريض: "بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ"، رواه مسلم. وكان صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد موضعًا من جسده يضع يده عليه ويقول: "بِسْمِ اللَّهِ" ثلاث مرات، ثم يقول سبع مرات: "أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ"، رواه مسلم أيضًا. ومن الأدعية الثابتة أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: "أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا"، رواه البخاري، وقوله: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ"، وقوله: "بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، وكلاهما صححه الألباني.
رقية النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأصحابه
كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه بالمعوذات، كما كان يرقي أصحابه ويأمرهم بالاسترقاء عند الحاجة. ولما رأى في بيت أم سلمة رضي الله عنها جارية في وجهها سُفعة، أي أثر عين، قال: "استرقوا لها، فإن بها النَّظرة"، رواه البخاري. وهذا يدل على أن الرقية ليست خاصة بالمريض وحده، بل تشرع أيضًا لمن ظهرت عليه علامات الإصابة بالعين، سواء كان بالغًا أو طفلًا. كما كان صلى الله عليه وسلم يرقي الحسن والحسين رضي الله عنهما بقوله: "أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ"، رواه البخاري، وكان يقول: إن أباهما إبراهيم عليه السلام كان يعوّذ بها إسماعيل وإسحاق.
الرقية الشرعية وحسن الظن بالله
"الحياة مجرد كأس فارغ، املأه بالتفاؤل وعدم اليأس وحسن الظن بالله تعالى". تذكير روحاني يومي بأهمية الثقة المطلقة في خطة الخالق، والتوجه إليه بالدعاء واليقين بأن القادم أجمل بفضل الله ورحمته.
يذكّر ابن القيم رحمه الله في كتابه "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" بأصل عظيم ينبغي استحضاره عند طلب الشفاء بالرقية، وهو وجوب حسن الظن بالله تعالى. فقد بيّن أن من أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، وأن الله سبحانه توعّد من ظنّ به ظن السوء بما لم يتوعد به غيره، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ومعنى ذلك أن المسلم حين يسترقي وحين يدعو ربه بالشفاء، ينبغي أن يستحضر كمال أسماء الله وصفاته، وأنه سبحانه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه القائم بالقسط على خلقه، فلا ييأس من رحمته ولا يستبطئ إجابته، بل يجمع بين الأخذ بسبب الرقية المشروع وبين اليقين بأن الأمر كله بيد الله وحده.
ويرتبط هذا المعنى بما ورد في فضل الدعاء عمومًا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ"، رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني، وقال أيضًا: "إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ"، رواه الترمذي وحسّنه الألباني. فالرقية الشرعية في جوهرها دعاء وتضرع إلى الله، يجمع فيها المسترقي بين تلاوة كلامه سبحانه والإلحاح عليه بالسؤال، مستحضرًا أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأن الله عز وجل عند ظن عبده به، فمن أحسن الظن بربه رجا منه الخير والشفاء والفرج.
ولا ترتبط الرقية الشرعية بيومٍ محدد، إلا أن المسلم يحرص على الإكثار من الدعاء والذكر في مواسم الطاعة، ومن أبرزها يوم عرفة، مع بقاء الرقية قائمة على الآيات والأدعية المشروعة وشروطها المعروفة دون تخصيص هذا اليوم بطريقة معينة للرقية.
أنواع الرقية الشرعية
تتنوع الرقية الشرعية بحسب نوع الأذى المراد دفعه أو علاجه، وإن كانت جميعها تشترك في المصدر والشروط ذاتها.
رقية العين
العين حق ثابت بالكتاب والسنة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاسترقاء منها، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسترقي من العين، رواه البخاري. وتكون رقية العين بقراءة الآيات والأدعية الواردة في الاسترقاء منها، ويُستحب إذا عُرف العائن أن يغتسل ويُصب ماء غسله على المصاب، كما ثبت في حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه، حين رآه عامر بن ربيعة يغتسل فأصابه بعينه دون قصد فمرض، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل له فبرئ سهل بإذن الله. ومما يقي من شر العين ابتداءً المحافظة على الأذكار الصباحية والمسائية، وتجنب المبالغة في إظهار النعم أمام الآخرين دون ذكر لله، مع التوكل الكامل عليه سبحانه.
رقية السحر
يجوز الاسترقاء من السحر بالطريقة الشرعية ذاتها، أي بآيات القرآن الكريم والأدعية المأثورة، مع التوكل التام على الله تعالى، واعتقاد أنه سبحانه هو الشافي وحده. ومن أبرز ما يُقرأ لهذا الغرض آية الكرسي، والمعوذتان، وآيات السحر في سورة البقرة التي تتضمن قصة هاروت وماروت، إلى جانب الأدعية النبوية الجامعة للتحصين. وقد نص بعض أهل العلم على استحباب قراءة هذه الآيات على الماء ثم شربه أو الاغتسال به عند الحاجة، مع التنبيه إلى أن كشف أعيان السحرة أو تحديد مكان السحر بدقة ليس شرطًا لصحة الرقية أو لحصول الشفاء بإذن الله، إذ العبرة بصدق التوجه إلى الله وحسن التوكل عليه.
رقية المس والوسواس
يُقرأ لدفع المس والوسواس ما يُقرأ لغيره من أنواع الرقية، مع الإكثار من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه، كما ورد في الدعاء النبوي: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ". ومن الأدعية الجامعة لهذا الباب أيضًا: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا"، وهو دعاء جامع يحصّن قائله من كثير من الشرور. وتقوم هذه الرقية على الاستمرار والمواظبة، لا على القراءة لمرة واحدة، مع الأخذ بالأسباب المشروعة الأخرى دون الاقتصار على الرقية وحدها إن كان هناك سبب طبي أو نفسي واضح للحالة.
الرقية على الماء
من صور الرقية الشرعية المعروفة قراءة الآيات والأدعية على الماء، ثم شربه أو الاغتسال به بنية الاستشفاء، وقد استند أهل العلم في ذلك إلى عموم أدلة الرقية وجواز النفث على الماء كما يُنفث على الجسد مباشرة، مع بقاء الشروط الثلاثة المتقدمة شرطًا لصحتها.
الرقية الشرعية للمنزل
كما تُشرع رقية الإنسان نفسه، تُشرع أيضًا رقية المنزل بقراءة آيات الرقية فيه، خاصة سورة البقرة، لما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة"، رواه مسلم. ويُستحب أن يقرأ رب الأسرة أو أحد أفرادها هذه الآيات بصوت مسموع في أرجاء المنزل من وقت لآخر، مع المحافظة على أذكار دخول المنزل والخروج منه، بما يحصّن البيت وأهله بإذن الله من الحسد والسحر وأذى الشياطين.
كيفية أداء الرقية الشرعية بالطريقة الصحيحة
الصلاة هي عماد الدين وملاذ الروح للمسلم. يجسد هذا المشهد الروحاني امرأة مسلمة تؤدي صلاتها بخشوع وتضرع على سجادة الصلاة، في لحظة هدوء تامة تعكس عمق الإيمان والصلة المباشرة مع الله سبحانه وتعالى.
تحتاج الرقية الشرعية إلى معرفة الطريقة الصحيحة لأدائها حتى تحقق المقصود منها على أكمل وجه.
رقية الإنسان نفسه
من المقرر عند أهل العلم أن أنفع الرقية وأكثرها تأثيرًا هي رقية الإنسان نفسه، خلافًا لما اشتهر عند كثير من الناس من البحث عن قارئ معين ولو كان عاميًّا لا يُحسن أحكام الرقية، أو مشعوذًا لا تجوز الاستعانة به أصلًا. فيُستحب للمسلم أن يتعلم آيات الرقية وأدعيتها، ويرقي بها نفسه عند الحاجة، اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يرقي نفسه بالمعوذات.
خطوات عملية قبل الرقية وأثناءها
قبل الشروع في الرقية، يُستحب للمسلم أن يبادر بالتوبة من الذنوب والمعاصي، وأن يحرص على أداء الصلوات في أوقاتها والمحافظة على الطاعات، وأن يستحضر التوكل الكامل على الله تعالى، مع الاعتقاد الجازم بأن القرآن الكريم شفاء ورحمة، وتدبر معانيه أثناء القراءة لا مجرد ترديد ألفاظه. وأثناء الرقية، يُقرأ ما تيسر من الآيات والأدعية المأثورة على المريض أو على الماء، مع النفث الخفيف بعد كل مقطع، والمواظبة على تكرارها دون الالتفات إلى وساوس الشيطان التي قد تُضعف همة المسترقي عن إكمالها.
الاستماع إلى الرقية الشرعية المسجلة
يبحث كثير من الناس عن تسجيلات صوتية للرقية الشرعية بأصوات قراء معروفين، للاستماع إليها في المنزل أو أثناء التنقل، وهذا جائز ونافع لمن لا يحسن القراءة أو يحتاج إلى تكرار الاستماع لحفظ الآيات وضبط مخارج حروفها. غير أن أهل العلم ينبهون إلى أن الأصل المستحب هو أن يقرأ المسلم بنفسه أو يُقرأ عليه من شخص حاضر، لما في ذلك من استحضار النية وتدبر المعنى، أما الاستماع إلى تسجيل صوتي فهو وسيلة معينة على الحفظ والتعلم أكثر منه بديلًا كاملًا عن القراءة المباشرة بنية الرقية.
الرقية الشرعية للأطفال
تُشرع الرقية للأطفال كما تُشرع للبالغين، بل جاءت نصوص خاصة تدل على عناية النبي صلى الله عليه وسلم برقية الصغار، ومن أظهرهم عليهم علامات الإصابة بالعين أو الحسد. وتكون رقية الطفل بأن يقرأ عليه أحد والديه أو من يتولى أمره الآيات والأدعية ذاتها المستخدمة في رقية البالغين، مع تكرارها في أوقات منتظمة كالصباح والمساء، وقبل النوم خصوصًا، لما في ذلك من تحصين الطفل طوال ساعات الليل. ويُستحب أن يعتاد الطفل مع نموه على سماع هذه الأذكار وترديدها تدريجيًّا، بما يغرس فيه منذ الصغر عادة التحصن بذكر الله.
فضل الرقية الشرعية وفوائدها
للرقية الشرعية فضل عظيم، فهي منحة من الله تعالى لعباده يجدون فيها الشفاء والسكينة بإذنه. فمن فضائلها أنها تحصّن المسلم من شر العين والحسد والسحر، وتكون سببًا في الشفاء من كثير من الأمراض الحسية والمعنوية بتقدير الله تعالى، وتُعين على مواجهة مصائب الدنيا بقلب مطمئن متوكل على ربه. وهي إلى جانب ذلك عبادة قائمة بذاتها، إذ يجمع المسترقي فيها بين تلاوة القرآن، وذكر الله، والدعاء، واستحضار معاني التوحيد والافتقار إليه سبحانه، فيعود عليه أثرها في الدنيا بالطمأنينة وسكون القلب، ولو تأخر الشفاء الحسي أو لم يقع أصلًا، لأن المقصود الأول هو التعبد لله بها والامتثال لهديه صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت في صحيح البخاري أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، ولذلك فإن المواظبة على الرقية والأذكار المرافقة لها، من أذكار الصباح والمساء وآية الكرسي والمعوذتين عقب كل صلاة وعند النوم، أنفع من الاقتصار عليها في وقت الحاجة وحدها.
وتزداد أهمية هذه المواظبة خلال شهر رمضان المبارك، الذي يمثل موسمًا مضاعفًا للعبادة والذكر، ما يجعله فرصة مناسبة لترسيخ عادة الرقية اليومية إلى جانب الأذكار المعتادة، خصوصًا مع تفرغ كثير من المسلمين لقراءة القرآن ومضاعفة الطاعات في هذا الشهر الفضيل.
يعكس هذا المشهد الروحاني جوهر الطمأنينة في الإسلام، حيث يبرز القرآن الكريم مع مسبحة خشبية وفانوس مزخرف تحت ضوء الشمس الدافئ. هي دعوة للتأمل، قراءة الورد اليومي، والإكثار من ذكر الله للحصول على السكينة الداخلية والتقرب من الخالق.
تحذيرات مهمة: الرقية الشرعية والمشعوذون
انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة انتحال بعض غير المؤهلين صفة "الراقي الشرعي"، واستغلال حاجة الناس النفسية للتربح منهم بطرق مخالفة للشرع، كطلب مبالغ مالية كبيرة، أو الخلوة المحرمة بالنساء، أو استخدام ألفاظ مجهولة لا يجوز الرقي بها، أو الادعاء بمعرفة الغيب وتحديد اسم الساحر أو مصدر السحر بيقين، وهو ما لا يملكه بشر. ولذلك ينبغي للمسلم أن يتنبه إلى أن أفضل رقية وأنفعها هي رقية الإنسان نفسه كما تقدم، وأن يتحرى في اختيار من يستعين به عند الحاجة، فلا يلجأ إلا إلى من عُرف بالتزامه بالشروط الشرعية للرقية والبعد عن كل ما يخالف التوحيد، ويُفضَّل أن يكون ذلك بحضور محرم إن كانت المسترقية امرأة. كما ينبغي التنبيه إلى أن الرقية الشرعية لا تُغني عن مراجعة الطبيب عند وجود سبب عضوي أو نفسي واضح للمرض، فالأخذ بالأسباب المشروعة كافة لا يتعارض مع التوكل على الله، بل هو من صميمه، ولا يجوز حمل كل عرض مرضي على أنه سحر أو مس دون بيّنة ظاهرة، فذلك من التسرع الذي حذر منه أهل العلم.
الأسئلة الشائعة
ما هي الرقية الشرعية؟
الرقية الشرعية هي الاستشفاء والتحصن بآيات من القرآن الكريم، أو بأسماء الله الحسنى وصفاته، أو بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية المأثورة، طلبًا للشفاء من مرض أو دفعًا لأذى من عين أو سحر أو مس.
ما هي شروط الرقية الشرعية الصحيحة؟
تقوم الرقية الشرعية الصحيحة على ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو أسمائه وصفاته أو ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تكون باللسان العربي أو بما يُعرف معناه، وأن يُعتقد أنها لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى وحده.
ما حكم الرقية الشرعية في الإسلام؟
الرقية الشرعية جائزة بل مستحبة عند استيفاء شروطها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بأس بالرُّقى ما لم تكن شركًا"، رواه مسلم.
ما هي أفضل آيات الرقية الشرعية؟
من أفضل ما يُقرأ في الرقية سورة الفاتحة، وآية الكرسي، وسورة الإخلاص والمعوذتان، إلى جانب الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة وآيات أخرى متفرقة من القرآن الكريم.
هل يجوز أن يرقي الإنسان نفسه بنفسه؟
نعم، بل هذا هو الأفضل والأنفع، إذ ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقي نفسه بالمعوذات، وقد نص أهل العلم على أن رقية الإنسان نفسه أنفع من البحث عن راقٍ آخر قد لا يكون مؤهلًا.
كيف تكون الرقية الشرعية للأطفال؟
تكون رقية الطفل بقراءة الآيات والأدعية ذاتها المستخدمة في رقية البالغين عليه، مع تكرارها في الصباح والمساء وقبل النوم خصوصًا، لتحصينه طوال ساعات الليل ودفع أذى العين والحسد عنه.
هل تجوز الرقية على الماء؟
نعم، تجوز قراءة آيات الرقية وأدعيتها على الماء ثم شربه أو الاغتسال به بنية الاستشفاء، وهذا مما استقر عليه عمل أهل العلم مستندين إلى عموم أدلة الرقية.
كيف نفرق بين الرقية الشرعية والرقية الممنوعة؟
الرقية الشرعية تخلو من كل استعانة بغير الله ومن الألفاظ المجهولة المعنى، بينما الرقية الممنوعة تتضمن الاستعانة بالجن أو الكهان أو الطلاسم، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشرك حدًّا فاصلًا بينهما بقوله: "لا بأس بالرُّقى ما لم تكن شركًا".
هل يجب حسن الظن بالله عند طلب الشفاء بالرقية؟
نعم، فمن أصول التعامل مع الرقية الشرعية استحضار حسن الظن بالله تعالى وعدم اليأس من رحمته، إذ حذّر ابن القيم رحمه الله من إساءة الظن بالله، وبيّن أن الدعاء والرقية عبادة يُرجى فيها الخير والإجابة ما دام العبد صادقًا في توجهه إلى ربه.
هل الرقية الشرعية تغني عن الذهاب إلى الطبيب؟
لا تغني الرقية الشرعية عن مراجعة الطبيب عند وجود سبب عضوي أو نفسي واضح للمرض، فالأخذ بالأسباب المشروعة لا يتعارض مع التوكل على الله، والرقية سبب من الأسباب لا بديل عن غيرها من وسائل العلاج المشروعة.
هل يجوز الاستماع إلى الرقية الشرعية مسجّلة بدل قراءتها مباشرة؟
يجوز الاستماع إلى تسجيلات الرقية الشرعية للاستفادة منها في الحفظ وضبط القراءة، لكن الأفضل أن يقرأ المسلم بنفسه أو يُقرأ عليه من شخص حاضر يستحضر النية ويتدبر المعنى أثناء القراءة.
كم مرة تُقرأ الرقية الشرعية في اليوم؟
لم يرد عدد محدد ملزم لقراءة الرقية عمومًا، لكن يُستحب المواظبة عليها في الصباح والمساء مع أذكار الصباح والمساء المعتادة، وتكرارها عند الحاجة أو ظهور أعراض تستدعي الاسترقاء منها.