ما هو الاقتصاد المقاوم في إيران وهل حقق أهدافه؟
الاقتصاد المقاوم هو برنامج أعلنه المرشد الإيراني علي خامنئي لتقليل تأثر إيران بالعقوبات الغربية. ويقوم على ثلاثة محاور رئيسية: خفض الاعتماد على عائدات النفط، ودعم الإنتاج المحلي، والتحول نحو اقتصاد المعرفة. وبعد أكثر من عقد على إعلان سياساته العامة عام 2014، حقق البرنامج نتائج جزئية فقط، وبقي الاقتصاد الإيراني شديد التأثر بالنفط والعقوبات والحروب.
ما هو الاقتصاد المقاوم؟
الاقتصاد المقاوم نموذج تنموي يهدف إلى جعل البلاد أكثر قدرة على تحمل الضغوط الخارجية، مثل العقوبات وتقلب أسعار النفط. واستخدم خامنئي المصطلح لأول مرة عام 2010، مع تصاعد العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. ثم أعلن في فبراير 2014 «السياسات العامة للاقتصاد المقاوم» في 24 بنداً، ووصف العقوبات حينها بأنها «حرب اقتصادية شاملة».
وجاء الإعلان في ظرف صعب. فقد كان النفط الخام يوفر نحو 80% من إيرادات إيران من العملة الأجنبية، لكن صادراته تراجعت إلى النصف خلال عامين بسبب العقوبات. وانكمش الناتج المحلي عامين متتاليين قبل الإعلان، ما جعل البحث عن نموذج بديل أولوية سياسية.
ولا يقتصر استخدام المصطلح على إيران. فقد استخدم أكاديميون في الجامعة الإسلامية في غزة تعبيراً مشابهاً لوصف قدرة القطاع على الاستمرار تحت الحصار. لكن المفهوم ارتبط في الإعلام الدولي أساساً بالتجربة الإيرانية وسياساتها الرسمية.
وتحيي المؤسسات الإيرانية ذكرى إعلان هذه السياسات سنوياً في 29 بهمن من التقويم الإيراني، الذي يوافق 18 أو 19 فبراير، وتسميه «يوم الاقتصاد المقاوم». وتُعقد في هذه المناسبة مؤتمرات وندوات لعرض الدراسات المرتبطة بالمفهوم وتقييم تطبيقه.
ما أهداف السياسات التي أعلنتها إيران عام 2014؟
تهدف هذه السياسات إلى تقوية الإنتاج الوطني من الداخل وتقليل نقاط ضعفه أمام الخارج. وأبرز الأهداف التي تضمنتها الوثيقة:
- بناء اقتصاد قائم على المعرفة، مع هدف معلن بأن تصبح إيران الأولى في المنطقة في هذا المجال.
- تأمين الغذاء والدواء، وزيادة الإنتاج المحلي من السلع الاستراتيجية.
- تقليل مخاطر صادرات النفط والغاز، باختيار مشترين استراتيجيين وإشراك القطاع الخاص في تنويع قنوات البيع.
- تصدير منتجات نفطية وبتروكيماوية ذات قيمة مضافة بدلاً من النفط الخام.
- ترشيد الإنفاق الحكومي، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتقليل اعتماد الموازنة على عائدات النفط والغاز.
ويعني «المشترون الاستراتيجيون» عملياً البحث عن دول مستعدة لشراء النفط الإيراني رغم العقوبات، بعقود طويلة الأجل. وقد أصبحت الصين المشتري الأهم في السنوات التالية، كما تظهر بيانات الشحن.
ولم تكن معظم هذه الأهداف جديدة تماماً. فقد أشار محللون في موقع المونيتور إلى أن أغلبها ورد سابقاً في «وثيقة الرؤية العشرينية» التي أقرت عام 2005. وطمحت تلك الوثيقة إلى جعل إيران القوة الاقتصادية والتقنية الأولى في المنطقة بحلول عام 2025. لذلك رأى بعضهم أن الجديد في السياسات كان الإطار السياسي المرتبط بالعقوبات أكثر من المضمون.
كيف تحولت الفكرة إلى برامج ومؤتمرات؟
تحولت الفكرة إلى برامج حكومية بسرعة بعد إعلانها. فقد كلّف الرئيس حسن روحاني عدداً من المؤسسات الحكومية بمهام محددة لتطبيق السياسات. ثم سمّى خامنئي السنة الإيرانية التي بدأت في مارس 2016 «سنة الاقتصاد المقاوم: الإجراء والتنفيذ». ويعرض الجدول التالي أبرز المحطات:
السنة | الحدث |
|---|---|
2005 | إقرار وثيقة الرؤية العشرينية للتنمية حتى عام 2025 |
2010 | أول استخدام للمصطلح من قبل خامنئي |
2014 | إعلان السياسات العامة في 24 بنداً |
2016 | تسمية السنة الإيرانية باسم البرنامج |
2018 | المؤتمر السنوي الرابع بعنوان تقوية الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل مستدامة |
2025 | إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران |
2026 | حرب واسعة تضرب البنية التحتية وتقيد الملاحة في مضيق هرمز |
المصدر: وكالة أسوشيتد برس، وموقع المونيتور، ومعهد الشرق الأوسط، والجزيرة.
ويتضح من الجدول أن المفهوم ظهر وتطور في كل مرحلة اشتدت فيها الضغوط الخارجية على إيران.
ومن أبرز الفعاليات المرتبطة به مؤتمر سنوي تنظمه شبكة إيرانية من المحللين بالتعاون مع لجنة الاقتصاد المقاوم في البرلمان. وحُدد موعد المؤتمر الرابع في 18 فبراير 2018 بجامعة الشهيد بهشتي في طهران، تحت عنوان «تقوية الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل مستدامة». واختارت لجنته العلمية 10 مقالات و10 رسائل جامعية بوصفها أفضل الأعمال المقدمة.
وضمت اللجنة العلمية للمؤتمر أكاديميين انتقلوا لاحقاً إلى مواقع القرار. فقد تولى فرهاد دجبسند وزارة الاقتصاد والمالية بين عامي 2018 و2021، ثم خلفه إحسان خاندوزي حتى أغسطس 2024. ويُظهر ذلك أن المفهوم لم يبق في إطار الخطاب، بل أثّر في اختيار صناع القرار المالي.
هل نجح الاقتصاد المقاوم في تقليل الاعتماد على النفط؟
تصميم رسومي يعبر عن الاتجاه الصعودي في أسواق الطاقة، حيث يظهر سهم أحمر يتجه للأعلى ضمن رسم بياني للنمو.
نجح البرنامج في بعض الجوانب، لكنه لم يغير البنية الأساسية للاقتصاد الإيراني. فإيران ما زالت تعتمد على صادرات النفط في جزء كبير من دخلها من العملة الأجنبية، ولا سيما المبيعات إلى الصين. ووفق بيانات شركة كبلر، تجاوزت شحنات النفط الإيراني إلى الصين 1.8 مليون برميل يومياً في أكتوبر 2024. ثم انخفضت إلى أقل من 850 ألف برميل في يناير 2025.
ويعني ذلك أن الدخل الإيراني بقي مرتبطاً بمشترٍ رئيسي واحد وبأسعار النفط العالمية، وهو عكس ما استهدفته السياسات. ويصف الباحثون هذا النمط بالاقتصاد الريعي، أي الاقتصاد الذي يعتمد على ريع مورد طبيعي أكثر من اعتماده على الإنتاج والتصدير المتنوع.
وعند إعلان السياسات عام 2014، قالت إيران إن صادراتها غير النفطية بلغت نحو 40 مليار دولار سنوياً، وإنها تنمو بنحو 20% كل عام. لكن الإحصاءات الإيرانية تُدرج ضمن هذه الصادرات منتجات مرتبطة بالطاقة، مثل المكثفات الغازية والبتروكيماويات، ما يجعل قياس التنويع الحقيقي أصعب.
واعترف خامنئي نفسه بضعف التطبيق. ففي عام 2017 قال إن تنفيذ كل الإجراءات اللازمة للاقتصاد المقاوم كان سيُحدث «فرقاً ملموساً» في أوضاع الناس. ويضيف منتقدون أن البرنامج عزز دور المؤسسات شبه الحكومية والعسكرية في النشاط التجاري. وقد رصد معهد الشرق الأوسط هذا الاتجاه في تحليل عن دخول الحرس الثوري إلى القطاع الزراعي.
وفي المقابل يشير مؤيدو البرنامج إلى نمو الشركات القائمة على المعرفة، وإلى توسع الإنتاج المحلي في بعض السلع الاستراتيجية. كما سجل الاقتصاد الإيراني نمواً بلغ 5.3% عام 2023 و3.7% عام 2024، وفق صندوق النقد الدولي. لكن جزءاً مهماً من هذا النمو ارتبط بارتفاع صادرات النفط، لا بتحول بنيوي في مصادر الدخل.
لماذا يصعب تطبيق هذه السياسات؟
يصعب تطبيق الاقتصاد المقاوم لأن أهدافه تتطلب استثمارات وتقنيات وتجارة خارجية واسعة، بينما تحد العقوبات من الوصول إليها. فبناء صناعات متقدمة يحتاج إلى معدات وقطع غيار وتمويل دولي، وكلها تصبح أصعب وأغلى تحت العقوبات. ولذلك يجد البرنامج نفسه في دائرة مغلقة: العقوبات تدفع نحو الإنتاج المحلي، لكنها تحرمه في الوقت نفسه من أدوات النمو.
وتضاف إلى ذلك مشكلات داخلية. فقد أشارت تقارير الجزيرة إلى أن سوء الإدارة والفساد، إلى جانب العقوبات الأمريكية الممتدة لعقود، أنهكا المالية الإيرانية. كما يرى مدافعون عن الحكومات المتعاقبة أن المشكلات بنيوية، وأن كثيراً منها نتج عن قرارات لا تملكها الحكومة وحدها.
ويزيد التضخم المزمن الأمر صعوبة. فقد تجاوز معدل التضخم 40% في السنوات الأخيرة، ما يجعل الادخار والاستثمار طويل الأجل أقل جاذبية. ويدفع ذلك الأسر والشركات عادة نحو الذهب والعملة الأجنبية والعقارات، وهي أصول تحمي القيمة لكنها لا تخلق إنتاجاً جديداً ولا فرص عمل مستدامة.
الوضع اليوم: أين يقف اقتصاد إيران عام 2026؟
يواجه اقتصاد إيران عام 2026 أصعب مرحلة منذ إعلان هذه السياسات. ففي مارس 2025 عزل البرلمان وزير الاقتصاد عبد الناصر همتي، بعد أن تجاوز سعر الدولار في السوق الحرة 920 ألف ريال. وفي يونيو 2025 وافق البرلمان على تعيين الأكاديمي علي مدني زاده وزيراً جديداً، بأغلبية 171 صوتاً مقابل 67. ويحمل مدني زاده دكتوراه من جامعة شيكاغو، وسبق أن انتقد تثبيت سعر الصرف إدارياً. ويطرح ذلك سؤالاً عن موقع أدوات السوق في الاقتصاد المقاوم خلال المرحلة المقبلة.
وتراكمت الضغوط الخارجية بعد ذلك بسرعة. فقد أعيد فرض العقوبات على إيران من الأمم المتحدة نهاية سبتمبر 2025، ووصل سعر الدولار إلى نحو 1.16 مليون ريال في أكتوبر. وتوقع البنك الدولي في الشهر نفسه انكماش الناتج المحلي بنسبة 1.7% في 2025 و2.8% في 2026. كما توقع صندوق النقد الدولي تضخماً يتجاوز 43% في 2025، مع تراجع مستمر في قيمة الريال.
ثم جاءت حرب عام 2026 بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فقيّدت الملاحة في مضيق هرمز وضربت منشآت الطاقة. وكان المضيق يمر عبره قبل الحرب نحو خمس التجارة العالمية في النفط والغاز المسال. وفي يوليو 2026 خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي، مشيراً إلى تداعيات الحرب على أسواق الطاقة. وأصبحت شعارات الاقتصاد المقاوم حاضرة بقوة في خطاب المسؤولين، إذ قال الرئيس مسعود بزشكيان إن البلاد تعيش «حرباً اقتصادية شاملة» تتطلب «تشكيلاً حربياً».
الخلاصة
الاقتصاد المقاوم برنامج إيراني لتقوية البلاد أمام العقوبات، أُعلنت سياساته عام 2014 في 24 بنداً تركز على الإنتاج المحلي واقتصاد المعرفة وتقليل الاعتماد على النفط. وقد ألهم مؤتمرات وبرامج حكومية، وانتقل بعض المدافعين عنه إلى وزارة الاقتصاد. لكن الاقتصاد الإيراني بقي حتى عام 2026 مرتبطاً بالنفط وعرضة للعقوبات والحروب، ما يجعل نجاح البرنامج محدوداً حتى الآن.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين الاقتصاد المقاوم والاكتفاء الذاتي؟
الاكتفاء الذاتي يعني أن تنتج الدولة كل ما تحتاجه من سلعة معينة دون استيراد، بينما الاقتصاد المقاوم مفهوم أوسع. فهو يقبل التجارة الخارجية، لكنه يسعى إلى تنويع الشركاء والصادرات وتقليل نقاط الضعف أمام الضغوط. ولذلك يُعد الاكتفاء الذاتي في السلع الاستراتيجية، كالقمح والدواء، أحد أدواته لا مرادفاً له.
ما هو الاقتصاد الريعي؟
الاقتصاد الريعي هو اقتصاد تعتمد فيه الدولة على دخل يأتي من مورد طبيعي، مثل النفط أو الغاز، أكثر من اعتمادها على الضرائب والإنتاج المتنوع. ويجعل هذا النمط الموازنة العامة شديدة التأثر بأسعار المورد في الأسواق العالمية. وتُصنف إيران ودول نفطية كثيرة ضمن هذا النموذج بدرجات متفاوتة.
ما هو اقتصاد المعرفة؟
اقتصاد المعرفة هو اقتصاد يعتمد في نموه على الابتكار والتقنية والبحث العلمي ورأس المال البشري، أكثر من اعتماده على الموارد الطبيعية. ومن أمثلته صناعات البرمجيات والأدوية والتقنيات الحيوية. وقد جعلت سياسات الاقتصاد المقاوم بناء هذا النموذج هدفاً رئيسياً، لأنه أقل تأثراً بالعقوبات على صادرات النفط.
ما هي العقوبات على إيران؟
العقوبات على إيران مجموعة قيود مالية وتجارية فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بسبب البرنامج النووي وأنشطة أخرى. وأشدها العقوبات الأمريكية التي أعيد فرضها بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، وتستهدف النفط والمصارف والشحن. ثم أعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في سبتمبر 2025.