كيف أثرت حرب اليمن على حقوق الإنسان والمدنيين؟
تسببت حرب اليمن في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. فقد قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنها أودت بحياة نحو 377 ألف شخص حتى نهاية 2021، بشكل مباشر أو بسبب الجوع والمرض. وخلص خبراء أمميون إلى أن جميع أطراف الحرب ربما ارتكبت جرائم حرب، من الغارات الجوية إلى تجنيد الأطفال والاعتقال التعسفي. وفي عام 2026 يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينما تتراجع التمويلات الدولية.
كيف بدأت حرب اليمن؟
بدأت حرب اليمن بعد تعثر المرحلة الانتقالية التي أعقبت احتجاجات 2011. فقد نصت المبادرة الخليجية على نقل السلطة إلى الرئيس عبد ربه منصور هادي، وعُقد مؤتمر الحوار الوطني بين 2013 و2014 بإشراف أممي. لكن في 21 سبتمبر 2014 سيطرت جماعة الحوثيين على صنعاء، بدعم من قوات موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح.
وفي مارس 2015 تدخل تحالف عسكري تقوده السعودية بطلب من الرئيس هادي، فتحولت الحرب إلى نزاع إقليمي واسع. وفي أبريل من العام نفسه أصدر مجلس الأمن القرار 2216، الذي طالب الجماعة بالانسحاب من المدن والإفراج عن المعتقلين، ومنهم وزير الدفاع محمود الصبيحي.
وكان هذا التحالف مفاجئاً لكثيرين، لأن قوات صالح خاضت ست جولات قتال ضد الجماعة في صعدة بين عامي 2004 و2010. ثم انهار التحالف بين الطرفين، وقُتل صالح على أيدي حلفائه السابقين في ديسمبر 2017. وتشير جماعة أنصار الله إلى نفسها بهذا الاسم، بينما يستخدم الإعلام العربي غالباً تسمية الحوثيين نسبة إلى مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي.
وفي أبريل 2022 دخلت هدنة أممية حيز التنفيذ، وجمدت خطوط القتال الرئيسية تقريباً منذ ذلك الحين، رغم انتهاء مدتها الرسمية في أكتوبر من العام نفسه.
ما الالتزامات القانونية على أطراف الحرب؟
يلتزم أطراف الحرب في اليمن بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فاليمن طرف في العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي اتفاقيات مناهضة التعذيب وحقوق الطفل والقضاء على التمييز ضد المرأة. كما صادق عام 1998 على اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد.
ويقوم القانون الدولي الإنساني على ثلاثة مبادئ أساسية في الهجمات العسكرية. الأول التمييز بين المقاتلين والمدنيين، والثاني التناسب بين الضرر المدني والميزة العسكرية المتوقعة، والثالث اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنيب المدنيين الأذى. وتنطبق هذه القواعد على الدول والجماعات المسلحة على حد سواء، أياً كانت مبررات الحرب. ولذلك لا يبرر طلب الحكومة للتدخل العسكري أي انتهاك يرتكبه التحالف، كما لا تبرر مطالب الجماعات المسلحة أي اعتداء على المدنيين في حرب اليمن.
كما يحظر القانون الدولي استخدام المدنيين دروعاً بشرية، ووضع المقاتلين والأسلحة في الأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات. وقد وثقت تقارير أممية وحقوقية حالات من هذا النوع في مدن يمنية عدة، منها تعز والمخا وصنعاء، ما زاد عدد الضحايا المدنيين في الغارات والاشتباكات.
ما أبرز الانتهاكات الموثقة؟
وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية ومحلية أنواعاً متعددة من الانتهاكات خلال حرب اليمن، ارتكبتها أطراف مختلفة. ويلخص الجدول التالي أبرز هذه الأنواع والجهات المتهمة بها:
نوع الانتهاك | الجهات المتهمة وفق تقارير أممية وحقوقية |
|---|---|
الهجمات التي أصابت المدنيين | جماعة أنصار الله وقوات صالح، والتحالف بقيادة السعودية |
الاحتجاز غير القانوني والإخفاء | أنصار الله، والحكومة، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات مدعومة إماراتياً |
التعذيب وسوء المعاملة | جميع الأطراف الرئيسية |
تجنيد القاصرين | أنصار الله بالدرجة الأكبر، إضافة إلى قوات حكومية وأخرى مدعومة من التحالف |
زراعة الألغام المضادة للأفراد | أنصار الله |
الاعتداء على الصحفيين | أنصار الله والحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي |
المصدر: فريق الخبراء البارزين التابع لمجلس حقوق الإنسان، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية.
ويتضح من الجدول أن الانتهاكات لم تقتصر على طرف واحد في حرب اليمن، رغم اختلاف حجمها ونوعها من طرف إلى آخر.
أمثلة من الانتهاكات الموثقة
ومن الأمثلة التي وثقتها منظمة العفو الدولية، قصف ميناء التواهي في عدن في 6 مايو 2015 بقذائف هاون أصابت نازحين ينتظرون القوارب. وحمّلت المنظمة قوات أنصار الله وصالح المسؤولية. وفي المقابل أدانت الأمم المتحدة غارة للتحالف أصابت حافلة مدرسية في ضحيان بمحافظة صعدة في أغسطس 2018، وقُتل فيها عشرات الأطفال.
وفي عام 2017 نشر باحثون يمنيون مؤيدون للحكومة دراسات تتهم أنصار الله وقوات صالح بانتهاكات واسعة بين 2014 و2016. ونقلت هذه الدراسات عن لجنة وطنية حكومية توثيق أكثر من 16 ألف حالة احتجاز وإخفاء خلال تلك الفترة. لكن هذه الأرقام صادرة عن جهة طرف في الحرب، ولم يُتحقق منها بصورة مستقلة. وينطبق الأمر نفسه على أرقام تنشرها سلطات صنعاء عن ضحايا الغارات، ما يجعل تقارير الأمم المتحدة والمنظمات المستقلة المرجع الأدق في حرب اليمن.
وتعرضت حرية الصحافة لضربة قاسية أيضاً. فقد تراجع عدد الصحف والقنوات العاملة بشكل كبير بعد 2014، واضطر صحفيون كثيرون إلى مغادرة مدنهم أو البلاد. وتؤكد هيومن رايتس ووتش أن جميع الأطراف احتجزت صحفيين وعذبتهم خلال الحرب.
ماذا قالت لجان الأمم المتحدة عن الانتهاكات؟
قالت لجان الأمم المتحدة إن جميع أطراف حرب اليمن ربما ارتكبت جرائم حرب. ففي أغسطس 2018 أصدر فريق الخبراء البارزين، الذي شكله مجلس حقوق الإنسان، أول تقرير له برئاسة التونسي كمال الجندوبي. وأكد التقرير وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الأطراف ارتكبت عدداً كبيراً من انتهاكات قوانين الحرب.
وانتقد الفريق عملية تحديد الأهداف لدى التحالف، مشيراً إلى غياب أهداف عسكرية واضحة قرب كثير من المواقع المستهدفة. كما أكد أن الحكومة اليمنية والقوات المدعومة من التحالف وقوات أنصار الله وصالح جندت جميعها أطفالاً، بعضهم في الثامنة من العمر. وقال الجندوبي إن الأدلة على محاولة الأطراف تقليل الخسائر المدنية كانت ضئيلة.
وفي تقرير لاحق، اتهم الفريق السعودية والإمارات والحوثيين والحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي بانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب. وطالب مجلس الأمن بإحالة الوضع في اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية. لكن مجلس حقوق الإنسان صوت عام 2021 على إنهاء ولاية الفريق، ما أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية.
وأنشأت أطراف حرب اليمن آليات تحقيق خاصة بها. فقد شكل التحالف عام 2016 فريقاً مشتركاً لتقييم الحوادث، يراجع الغارات المثيرة للجدل، بينما تعمل لجنة وطنية يمنية للتحقيق في ادعاءات الانتهاكات منذ 2012. لكن منظمات حقوقية دولية رأت أن هذه الآليات لا تتمتع بالاستقلالية الكافية، لأنها تابعة لأطراف في الحرب.
كيف يتأثر الأطفال بحرب اليمن؟
يتأثر الأطفال بحرب اليمن أكثر من أي فئة أخرى، لأنهم يدفعون ثمن القتال والجوع وانهيار الخدمات معاً. فوفق الأمم المتحدة، قُتل أو أصيب أكثر من 11 ألف طفل بين مارس 2015 وسبتمبر 2022، في حالات تحققت منها المنظمة فقط. كما جُند نحو 4 آلاف طفل في صفوف الأطراف المتحاربة خلال الفترة نفسها.
ويبقى تجنيد القاصرين من أخطر الانتهاكات المستمرة. ففي يناير 2022 أفاد تقرير لمجلس الأمن بأن نحو ألفي طفل جندهم الحوثيون قُتلوا في المعارك بين يناير 2020 ومايو 2021. ويُعد تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وما زالت الألغام تقتل الأطفال والمدنيين حتى بعد تراجع القتال. فبين أغسطس 2024 ويونيو 2025 سجلت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة 40 حادثاً بالألغام، قُتل فيها 32 شخصاً وأصيب 27 آخرون، بينهم نساء وأطفال.
الوضع اليوم: أين يقف اليمن عام 2026؟
إطلالة بانورامية واسعة على مدينة صنعاء القديمة في اليمن، تبرز فيها المباني السكنية التاريخية المتراصة والمبنية من الطوب اللبن والمزينة بالزخارف البيضاء الهندسية الفريدة.
ما زالت حرب اليمن تلقي بظلالها الثقيلة على المدنيين عام 2026، رغم تجميد خطوط القتال منذ هدنة 2022. فوفق خطة الاستجابة الإنسانية التي نشرتها الأمم المتحدة في مارس 2026، يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى مساعدات، بزيادة 2.8 مليون عن العام السابق. كما يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء تغذية حاد.
وتطلب الخطة 2.16 مليار دولار، لكن نداء 2025 لم يُموَّل إلا بنسبة 29%، ما أجبر الوكالات على تقليص خدمات منقذة للحياة. وتفاقمت الأزمة بعد أن احتجزت سلطات صنعاء عشرات من موظفي الأمم المتحدة، بلغ عددهم 73 موظفاً يمنياً على الأقل وفق هيومن رايتس ووتش. ودفع ذلك برنامج الأغذية العالمي إلى تعليق أنشطته في مناطق سيطرتها.
وعلى الصعيد السياسي، أعلن المبعوث الأممي في ديسمبر 2023 التزام الأطراف بخريطة طريق لإنهاء حرب اليمن، تشمل وقف إطلاق النار ودفع الرواتب واستئناف صادرات النفط. لكن تنفيذها تعطل بعد التصعيد الإقليمي في البحر الأحمر.
وفي مارس 2025 أعادت الولايات المتحدة تصنيف الجماعة منظمة إرهابية أجنبية، وحذرت منظمات إغاثة من أثر ذلك على التحويلات المالية والإمدادات. كما زادت الحرب الإقليمية عام 2026 والأحداث في جنوب البلاد مطلع العام من التوتر. ويرى مراقبون أن حماية المدنيين في حرب اليمن تتطلب تسوية سياسية شاملة، ومحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات دون استثناء. كما يحتاج المدنيون في اليمن إلى عودة الرواتب والخدمات الأساسية، لأن الانهيار الاقتصادي يقتل بصمت أكثر مما تقتل المعارك. ويؤكد ذلك تقدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن الوفيات غير المباشرة الناتجة عن الجوع والمرض تجاوزت ضحايا القتال المباشر.
الخلاصة
أدت حرب اليمن إلى مقتل مئات الآلاف بشكل مباشر وغير مباشر، وإلى انتهاكات واسعة وثقتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية ضد جميع الأطراف. وشملت هذه الانتهاكات الهجمات على المدنيين، والاحتجاز والإخفاء خارج القانون، وتجنيد القاصرين، وزراعة الألغام. ومع حاجة أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدة عام 2026، تبقى المحاسبة والتسوية السياسية الشاملة شرطين أساسيين لإنهاء حرب اليمن وحماية المدنيين.
الأسئلة الشائعة
ما هو القرار 2216؟
القرار 2216 قرار أصدره مجلس الأمن الدولي في أبريل 2015 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ويطالب جماعة أنصار الله بالانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها، وتسليم الأسلحة الثقيلة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين. كما فرض حظراً على توريد الأسلحة إلى قادة حوثيين وأشخاص مرتبطين بهم، وما زال مرجعاً رئيسياً في مفاوضات السلام.
ما الفرق بين الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري؟
الاعتقال التعسفي هو احتجاز شخص دون أساس قانوني أو دون محاكمة عادلة، حتى لو عُرف مكان احتجازه. أما الاختفاء القسري فاحتجاز يرافقه إنكار السلطات لوجود المحتجز لديها أو إخفاء مصيره ومكانه، ما يحرمه من حماية القانون تماماً. ويُعد هذا النوع أشد خطورة، لأنه يفتح الباب أمام التعذيب والقتل دون رقابة.
ما هو القانون الدولي الإنساني؟
القانون الدولي الإنساني مجموعة قواعد تنظم سلوك الأطراف أثناء النزاعات المسلحة، وتهدف إلى حماية المدنيين والأسرى والجرحى. وتقوم أساساً على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية. وتلتزم بها الدول والجماعات المسلحة غير الحكومية معاً، ولا يعفي أي طرف منها ادعاؤه بأن حربه عادلة.